انهيار اقتصاد الوطن وسعر الصرف

الحل يتضمن تغييرات جذرية في البنية السياسية للدولة

ex rate

أصدرت حكومة الظل السودانية في أغسطس 2016، بيان تحليلي بعنوان سعر الصرف واقتصاد الوطن لعكس أزمة سعر الصرف وارتباطه بالسياسات العامة بشكل عام والاقتصادية بشكل خاص. وقد فصٌل البيان الكبسولات المتعارف عليها من قبل الاقتصاديين وغيرهم، والتي تتمحور في تنويع مداخيل العملات الأجنبية وتقليل الطلب عليها عن طريق زيادة الإنتاجية والصادرات، وتقييد الواردات الاستهلاكية وحصر الاستيراد للسلع الرأسمالية "إنتاجية".

 

ولا يخفى على جمهور الفنيين بأن ما يحدث في الاقتصاد السوداني هذه الأيام من انخفاض حاد في سعر صرف الجنيه وما يصاحبه من ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الضرورية، هو من البوادر الوسيطة لانهيار كامل للاقتصاد والمالية العامة. فقد تدنى سعر الجنيه أمام الدولار بأكثر من 40% في غضون شهر، ليقترب من حاجز 30 جنيه للدولار الواحد. وبمقارنة سعر الصرف اليوم بسعر صرف العملة للعقد الأخير، نجد أن صرف الدولار مقابل الجنيه تضاعف 14 مرة من بين العام 2007 و2017م.

 

وقد اقترحت حكومة الظل السودانية من خلال بياناتها المتعددة حول موضوع الاقتصاد والدين والمالية العامة، عدد من التوجهات الفنية كسبيل لتوعية المواطن بفنيات إدارة الاقتصاد وتعرية القرارات الاقتصادية للنظام الحاكم. وتضمنت روشتة المقترحات الاتي:

اولاً: العمل على ترشيد استخدامات العملات الصعبة وتقليل الطلب عليها من خلال سياسات حماءيه تفرض قيود صارمة على الاستيراد وخاصةَ للسلع الكمالية والاستهلاكية، وحصر الاستيراد للسلع الرأسمالية الإنتاجية أو السلع الخاصة بالتنمية البشرية من صحة وتعليم.

ثانياً: العمل على استقطاب موارد إضافية بالعملة الصعبة خارج الاقتصاد المحلي وذلك لتغطية الفجوة بين العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي. ويمكن إنفاذ ذلك عن طريق تطوير أليات للاستفادة من مدخرات وتحويلات السودانيين العاملين بالخارج.

ثالثاً: من أنجع وأسرع الحلول لحالة السقوط الحر للاقتصاد (FREE FALL) هو الحصول على دعم كبير لمخزون الاحتياطي النقدي للعملات الأجنبية، من المؤسسات الدولية والإقليمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وتُـقدر حكومة الظل السودانية أن الاحتياج المبدئي يتراوح في حدود 3 بليون دولار. وتمثل هذه القيمة تقدير لمتطلبات تغطية عجز الميزان التجاري والفجوة بين قيمة الصادرات والواردات.

 

 

ومن منطلق مهمة حكومة الظل السودانية في توعية أهلنا وشعبنا ببعض الحقائق الأساسية حول سعر الصرف وتمليك معلومة صادقة وواضحة وكاملة، فإن حكومة الظل تعترف مقدماً بصعوبة تنفيذ أي شكل من أشكال الحزم الاقتصادية، في الوضع الحالي لعدة أسباب.

 

السبب الرئيس للانهيار الاقتصادي هو افتقاد الأدوات المعروفة للتحكم في الاقتصاد والمالية العامة. وبصورة مبسطة، للتحكم في الاقتصاد يجب تُوفر القدرة السياسية والتنفيذية والتنظيمية لموارد الدولة. فعلى سبيل المثال فوزارة المالية وهي الجهة المناط بها تنفيذ البرامج الاقتصادية، لا تتحكم في الموارد المالية العامة للدولة من ناحية الإيرادات الحكومية ونسبة الصرف على الاستهلاك والإنفاق الحكومي، اتحاديا وولائيا.

 

وإذا نظرنا إلى أهم مورد صادر في السودان (الذهب)، نجد أن التعدين، وفي بعض الحالات التحصيل أيضاً، يتم خارج القنوات الحكومية المعروفة. ويتم التعدين من قبل شركات تابعة للأمن العام ومليشيات مسلحة، وأهلياً بدون ضوابط أو تنظيم.  وقد انحصر دور وزارة المالية في زيادة الإيرادات الضريبية لتغطية الطلب الكبير للإنفاق الحكومي، وليس للاستخدام في أي من أبواب التنمية. ويمكن القياس على ذلك لجميع الجهات التنفيذية في الحكومة التي فقدت بوصلة مهمتها الأساسية من الرفاه والتنمية وانتقلت إلى مهمات الجباية. مع الإشارة بأن في ظل الوضع التنظيمي الهش والإعفاءات الجمركية والضريبية لشركات الأمنية وموالي النظام، فإن نسبة العوائد الضريبية تمثل 6% من الناتج القومي (تتراوح النسبة بين 10-12% لدول أفريقيا جنوب الصحراء)، وهو ما أدى الى ارتفاع كبير في حجم الكتلة النقدية نتيجة لطباعة العملات الورقية لتغطية الإنفاق الحكومي المتزايد.  وقد قدرت حكومة الظل في تقريرها الاقتصادي الربع سنوي، زيادة الكتلة النقدية بمقدار ٣٥٪‏ بين الفترة من الربع الاول للسنة الماضية وحتى الربع الاول من العام الحالي.

 

ومن جانب أٌخر، عدم وجود أجهزة تشريعية قادرة على محاسبة الطاقم الحكومي والتنفيذي، ناهيك عن مساهمات هذه الأجهزة في الصرف الحكومي، يعطل أي محاولة جادة لإصلاح السياسة العامة.

 

أخيراً، من الصعوبة بمكان أن تتمكن الحكومة من الحصول على غطاء مالي كبير ومؤثر في ظل المقاطعة الدولية والملاحقة الجنائية لرأس النظام ومتأخرات الديون للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي (تحصلت مصر على ودائع ودعم للميزانية بقيمة تتجاوز 15 بليون دولار من صندوق النقد الدولي ودول الخليج العربية في الخمس سنين الأخيرة). كما انه ليس هناك عاقل يعتقد بقدرة الحكومة على ترشيد صرفها في ظل التفلتات الأمنية والعسكرية في مختلف أرجاء السودان، بالإضافة إلى أن النظام حبيس خوفه من هاجس المطالبات الشعبية بإزاحته من السلطة مما يعزز توجهات صرفهِ على الأجهزة الأمنية والعسكرية.

 

وترى حكومة الظل أن ليس هناك حل فني بمعزل عن نظام الحكم، وذلك لكسر الحلقة المفرغة المرتبطة بالسياسة وإدارة الدولة. وفي كل الأحوال أذا كان هناك جدية من القائمين على أمر البلاد، فعليهم القيام بتغييرات جذرية في البنية السياسية للدولة. ولا ترى حكومة الظل اي حل لمعضلة الاقتصاد الا من خلال إجرائيين أساسيين، أولهم مراجعة تطبيق نظام الحكم الفيدرالي وثانيهم تغيير رأس الدولة.

هذا أو الطوفان!  

العودة لقمة الصفحة