كما تطرّقنافي بداية هذه السلسلة من المقالات فإن دراسة العلاقة ما بين القانون والتنمية قد مرّت بمرحلتين, ففي المرحلة الأولى كان الاتجاه هو لتصدير نموذج القانون والمؤسسات الأمريكية وكما هي للعالم الثالث بحسبان أن هذا النظام القانوني والمؤسسات قد ثبت نجاحها مدللين بالتطور الاقتصادي والتكنولوجي في الولايات المتحدة, هذه المحاولة وكما أسلفنا في الحلقات السابقة باءت بالفشل الذريع وباعتراف عرّابيها وذلك لأنها بنيت على منهج فوقي غير حسّاس تجاه التباينات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية والمفاهيمية بين دول العالم ومجتمعاته كما أنها لم تعر اهتماما كبيرا للبحث والتحرّي المنضبط علميا عن المعطيات والعناصر المكوّنة لبنية المجتمعات المراد تصدير النموذج إليها. في تسعينات القرن الماضي بدأت المرحلة الثانية من دراسة علاقة القانون بالتنمية محاولة تجاوز بعض إشكاليات المنهج الذي سلف اعتماده في المرحلة الأولى, فقد أعطى عرّابو هذه المرحلة الجديدة اهتماما أكبر لضرورة البناء من أسفل إلى أعلى في اتجاه معاكس لما تبنته المدرسة القديمة, كما أن التحرّي والاستقصاء قد اتجه إلى اعتماد منهج كمّي (رقميا واحصائيا) لتحديد وتوصيف المعيقات القانونية والإدارية في كل بلد على حدى مقارنة بمؤشرات تنحو إلى الموضوعية والمرونة مع عدم تبني نموذج دولة معينة كمعيار يقاس على وفقه (هذا الافتراض ليس مطلقا بل هو محل جدال أكاديمي نشط).

 

 

 

أطلق البنك الدولي للانشاء والتعمير عام 2002 مشروع ممارسة أنشطة الاعمال (Doing Business Project) ويهدف هذا المشروع إلى توفير مؤشرات موضوعية لقياس النظم والقوانين التي تحكم النشاط الاقتصادي وطريقة تنفيذها, وقد بدأ هذا المشروع بدراسة 133 دولة تم نشر معلوماتها في التقرير الأول الصادر عام 2003, بمرور الزمن زاد عدد الاقتصادات التي يغطيها المشروع حيث وصلت في العام 2011 إلى 183 اقتصاد, وبجمع وتحليل هذه المعلومات المصممة على أساس كمّي مقارن يمكن أن يشجع الدول على أن تتنافس في تحسين البيئة القانونية والإدارية لممارسة النشاط الاقتصادي فيها, فضلا على ذلك فإن هذه المعلومات تفيد صانعي القرار في أي دولة على تحديد الجوانب التي تحتاج إلى عملية إصلاح , هذا التحديد هو تحديد علمي يمكّن صانع القرار وجميع الأطراف صاحبة المصلحةمن معرفة الخلل بالضبط ومعرفة أثر هذا الخلل في الاقتصاد وبالمقابل يتمكن صانع القرار من معرفة الإصلاح المطلوب وكيفيته وأثره على النشاط الاقتصادي بالأرقام, ليس هذا فحسب فهذه المعلومات تعتبر مصدرا مهما للمعلومات لصنّاع القرار والأكاديميين والصحفيين والقطاع الخاص ولكل من يرغب في معرفة المناخ الاستثماري والاقتصادي في الدولة المعيّنة. يوفر هذا المشروع إضافة لما ذكرنا خدمة ترتيب الدول بحسب بيئة الاستثمار فيها على امتداد كافة مؤشرات المشروع مما يتيح لجميع الأطراف ذات المصلحة ومتخذي القرار تبين موقف دولتهم أو اقتصادهم بالمقارنة مع جميع دول العالم أو بالمقارنة مع الدول المشابهة لهم, زيادة على ذلك فإن هذه الخدمة تمكن متخذي القرار وجميع الأطراف ذات المصلحة من مراقبة وتقييم الأثر الذي ينتج من اعتماد أي إصلاحات فيما يخص تبسيط الإجراءات الحكومية على مركز الدولة في الترتيب العالمي وبالمثل يتمكن متخذ القرار من ملاحظة التجارب للدول الناجحة في الاصلاح بغرض الاستفادة منها. هنالك خدمة أخرى وهي خدمة المحاكاة , فمثلا السودان هو أحد الدول التي تغطيها قاعدة بيانات هذا المشروع ,فيمكن التعرف إلكترونيا وببساطة على كل الإصلاحات التي يحتاجها السودان في كل المجالات المغطاة في هذا المشروع إلكترونيا ويستطيع أي مستخدم لقاعدة البيانات أن يحصل على خريطة طريق شاملة لأوجه القصور والخطوات التي يمكن اتباعها للإصلاح والنتائج المتوقعة لهذا الإصلاح على النمو الاقتصادي وزيادة الدخل القومي وكمية فرص العمل التي يمكن خلقها ....إلخ.

 

يغطي مشروع ممارسة أنشطة الأعمال (Doing Business Project) عددا من الموضوعات مثل:

-         تأسيس أو بداية العمل _ الحصول على أذونات البناء. _ الحصول على الائتمان._ تسجيل الملكية (الأراضي(.

-         حماية المستثمرين._ دفع الضرائب._التجارة عبر الحدود._ إغلاق النشاط._ توظيف العمّال ._ الحصول على الكهرباء.

 

ولإعطاء القرّاء والقارئات الكرام صورة عن مركز السودان في ترتيب الدول على المستوى العالمي نود أن نشير إن عدد الدول المشمولة بهذا التصنيف هو 183 دولة وجاء ترتيب السودان على النحو الآتي:

-         سهولة ممارسة النشاط الاقتصادي : جاء السودان في المركز رقم 154.

-         بداية وتأسيس العمل : جاء السودان في المركز رقم 121.

-         الحصول على أذونات البناء : جاء السودان في المركز رقم 139.

-         تسجيل ملكية الأراضي: جاء السودان في المركز رقم 40.

-         حماية المستثمر : جاء السودان في المركز رقم154.

-         دفع الضرائب : جاء السودان في المركز رقم 94.

-         التجارة عبر الحدود : جاء السودان في المركز رقم 143.

-         تنفيذ العقود : جاء السودان في المركز رقم 146.

-         إغلاق النشاط الاقتصادي أو المشروع : جاء السودان في المركز رقم 183 (الأخير).

 

في الحلقات القادمة سنتناول جميع هذه المؤشرات بالتحليل لمعرفة الأسس التي صممت عليها وفي ختام هذه الحلقات سنحاول تقديم مقترحات بالإصلاحات المطلوبة.

العودة لقمة الصفحة