أصبح في حكم المؤكد ولادة دولة جنوب السودان في يوم 9/يوليو/2011, أجد نفسي أتعامل مع هذا المعطى بمشاعر مختلجة, فأنا حزين لأبعد الدرجات لأن الدولة السودانية لم ترتقي إلى طموحات أهلنا في الجنوب ولم تكن جاذبة لهم, ما أتمناه على المدى القصير أن تكون جاذبة لغيرهم, وعلى المديين المتوسط والطويل آمل أن يصبح السودان جاذبا لجميع بناته وأبناءه شمالا وجنوبا وغربا وشرقا ووسطا وأن نحتفظ لنفسنا بمجرد مساحة أن نحلم بإعادة توحيد شطري الوطن الحبيب طواعيةً وعلى أسس جديدة.

 

من ناحية أخرى فإني سعيد ولأبعد الدرجات لأن بنات الجنوب وأبنائه قد قرروا مصيرهم وحققوا ذواتهم وربما يكون في ذلك الإحساس بالانتصار تضميدا لجراحات غائرة في نفوسهم متجاوزين إحساسهم بالتهميش البغيض, بداهة فإن أهم مطلوبات المرحلة المقبلة بالنسبة لدولة جنوب السودان هي تحقيق واستدامة السلام مع الخارج وفي الداخل, ولتحقيق هذا السلام فإن هنالك حاجة ماسة للتنمية في الجنوب من الصفر وفي كل المجالات, آخذين في الاعتبار شح موارد الحكومة في الجنوب وحجم التنمية المطلوبة فأود أن أقترح على حكومة الجنوب الاهتمام والتركيز على إشراك القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي المباشر في تمويل وتنفيذ وتشغيل مشاريع البنية التحتية في الجنوب عن طريق نظام البوت وذلك للأسباب الآتية:
1-    إن تطلعات شعب الجنوب في دولته المستقلة بالضرورة هي تطلعات مرتفعة وإن أي تلكؤ في بداية تنفيذ مشاريع ضخمة للبنية التحتية قد يصيب جماهير هذا الشعب بحالة من الاحباط  مما قد يؤدي إلى تفكك لحمة النسيج الاجتماعي والتي عززها الشعور القومي الذي طغى إبان فترة الاستفتاء ويتوقع أن يطغى لفترة زمنية ما عقب إعلان دولة الجنوب.
2-    بالنظر إلى ميزانية دولة الجنوب قياسا بحجم الانفاق التنموي المطلوب فإن هناك بوناً شاسعا لا يمكن ملئه إلا بالاجتهاد الشديد في جعل بيئة الاستثمار جاذبة وخالية من المعيقات القانونية والإدارية والاجتماعية والأمنية.
3-    إن دولة الجنوب الوليدة تفتقر لكثير من الخبرات الفنية المطلوبة لتنفيذ مشاريع البنية التحتية, عليه لابد من الاستفادة من الخبرة الفنية والتكنولوجيا التي يجلبها الاستثمار الأجنبي المباشر معه.
4-    إن المواطنين الجنوبيين الذين عادوا إلى الجنوب من الشمال والدول المجاورة يحتاجون لتوفير وسائل كسب عيش لهم لكي يتسنى تحقيق الاستقرار الاجتماعي وبتنفيذ مشاريع البنية التحتية عن طريق نظام البوت تلقائيا سيخلق عدد كبير من الوظائف  في كافة مقاطعات الدولة في وقت متزامن مما يرفع القدرة الشرائية للمواطنين والذي بدوره يزيد الطلب ومن ثم يمكن لهذا الطلب أن يخلق العرض المقابل له مما يؤدي إلى عملية تحريك واسعة في مفاصل اقتصاد الدولة ويزيد من الانتاج وبالضرورة يزيد من توفير فرص العمل.
5-    إن دخول استثمارات أجنبية بالعملة الصعبة بحجم كبير في الجنوب سيخفف الضغط على ميزان المدفوعات وسيؤدي إلى استقرار سعر الصرف ويحافظ على قيمة العملة المحلية من التدهور الشديد ويحرر اقتصاد الدولة جزئيا من الاعتماد على البترول كمصدر وحيد للعملة الصعبة آخذين في الاعتبار التقلبات الحادة في سعر البترول عالميا.
6-    يتيح تنفيذ مشاريع البنية التحتية في الجنوب عن طريق نظام البناء والتشغيل وإعادة الملكية (BOT) فرصة واسعة لبناء القدرات والتدريب والخبرة للعاملين من بنات وأبناء دولة الجنوب مما قد يجعلهم مؤهلين لتشغيل هذه المشاريع بكفاءة بعد نهاية مدة الامتياز وإعادة ملكية هذه المشاريع للدولة.

 

كما أسلفنا في الحلقات الماضية فإن نظام البوت يشتمل على سلسلة من العقود المتنوعة والمترابطة ويستدعي ذلك تخطيطا مسبقاوأطراً قانونية وإدارية مستوعبة وثقافة شعبية مهيئة ومتقبلة وأتصور أن هنالك جهدا كبيرا ينتظر مؤسسات دولة الجنوب فيما يخص سن قوانين عصرية ومواكبة وبناء مؤسسات حامية للشفافية ومكافحة للفساد.
أهدي هذا الاقتراح كأحد أبناء الشمال لأشقائي وأصدقائي أبناء دولة الجنوب وأعتقد أن طريق إعادة توحيد الشعب السوداني في شمال السودان وجنوبه هو عبر نجاح الدولتين في تحقيق نجاحات على مستوى الرفاه الاجتماعي والتنمية البشرية.

 

منقو قل لا عاش من يفصلنا ....

 

العودة لقمة الصفحة