اقتصاد المعرفة و الاستثمار

ان التطور التقني و المعلوماتي الذي اجتاح العالم في القرن الحادي و العشرين قد دفع الاقتصاد التقليدي الى تغيير بعض جوانب نظرياته القائم عليها و لا شك ان ثورة المعلومات و البيانات الحديثة ادت الى ولوج مصطلحات و عوامل جديدة في اقتصاديات الدول. فريثما كانت العوامل الاساسية للانتاج متمثلة في الارض و رأس المال و العمالة ، اصبحت المعلومة و الدراية الفنية و الابداع و الذكاء التقني والاتصالات عوامل اكثر تأثيرا في الانتاج .

 

 

إقتصاد المعرفة (Knowledge Economy) اختلفت التعريفات و تعددت الاراء في وصفه الا انها اتفقت بان هنالك مخلوق جديد في عالم الاقتصاد لا يمكن حمله في حقيبة او وضعه في اناء فانه سريع التحرك لا تحده حدود و مجتمعه الوحيد هو مجتمع المعرفة نفسها . الاقتصاد المعرفي هو اقتصاد (اللاملموسات) او يمكن وصفه بانه اقتصاد المعلومات و التقنيات حيثما اصبح قطاع المعلومات ذراعا رابعة لقطاعات الانتاج الثلاثة - الزراعة و الصناعة و الخدمات - بل اضحى مؤثرا فيها كثيرا. و نحو ذلك الاتجاه ظهرت انماط جديدة للاسواق لا يقصدها المشترون حين تفتح المتاجر ابوابها باكرا بل تاتيك السلع عبر مارد الانترنت في لمح البصر ، فظهر معها سلوك استهلاكي جديد ينمو مع تطور السلع و التي يتم تحديثها(Updating) كل ثانية . حتى تجارة العملات الاجنبية لم تعد اسواق العملات و الصرافات هي منطقة التداول الوحيدة فقد اصبح سوق الفوركس (Forex) لا يحتاج سوى حاسوب و اشتراك في خدمة الانترنت فتختار منصة التداول الخاصة بك و انت في بيتك او مكتبك او اينما ذهبت فيمكنك التداول . فالمعرفة هي المعلومة و التي اصبحت تُقيّم بالاموال مهرا لبراءة الابتكار ، فالمعلومة لا ترتفع مبيعاتها بانتاج وحدات اخرى منها بل تزداد قيمتها كلما ازداد تداولها بين الناس. فان مارك زوكربيرغ مخترع الفيسبوك لم يشتري ارضا و انشاء عليها مصنعا لانتاج موقعه الالكتروني فقد كانت ارضه لوحة مفاتيح و مادته الخام فكرته ، و اليه تشير الاحصائيات الى ان عدد مطوري البرمجيات و الذين ينشئون تطبيقات في منصة الفيسبوك قد بلغ اكثر من (800000) مطور برامج حول العالم.

 

 

 

- ان العلم راس مال لا يفنى - هكذا قال ابراهام لنكولن و على ذلك تبقى المعرفة هي اساس التطور الاقتصادي و الاستثمار في راس المال البشري هو (كلمة المرور) لنهوض الاقتصاد الحديث فالموارد البشرية لم تعد عدد العمال او العاملين بالخدمة المدنية او القطاع الخاص و تخصصاتهم بل الموارد البشرية تعني المهارة و الذكاء و الابتكار و الابداع والتفكير الايجابي لدى كافة المجتمع . فضرورة ﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﻣﻦ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﻲ يتاتى بخلق وفرة في المعلومات و المعرفة التي تزداد قيمتها بالاستخدام و هذا ما فطنت اليه ﻣﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ مؤخرا ، ﻓﻔﻲ ﻅﻞ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻱ ﻛﺎﻥ ﺍﻟسؤال ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﺍﺟﻪ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﻫﻮ ﻛﻴف لها أن تدير (ﺍﻟﻨﺪﺭﺓ) ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺍﺭﺩ (ﺍﻷﻣﻮﺍﻝ، ﺍﻟﻤﻌﺪﺍﺕ، ﺍﻟﻴﺪ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﺔ) ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻨﺎﻗﺺ ﺑﺎﻻﺳﺘﺨﺪﺍﻡ، وﻓﻲ عصر ﺍﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻓﻘﺪ تبدل السؤال ﺇﻟﻰ كيف لها ان تدير (ﺍﻟﻮﻓﺮﺓ) ﺣﻴﺚ ﺗﺤﻮﻝ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﺇﻟﻰ ﺧﻠﻖ ﺍﻟﻮﻓﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺰﺩﺍﺩ ﻗﻴﻤﺘﻬﺎ كلما ازداد استخدامها، ﻓﻘﺪ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻭﺭﺃﺱ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺍﻟﻔﻜﺮﻱ ﺃﻫﻢ ﻣﺴﺘﻠﺰﻣﺎﺕ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﻲ ﻭﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺍﻷﻛﺜﺮ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ. ﻭﻣﻤﺎ ﺯﺍﺩ ﻣﻦ ﻣﺒﺮﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﻲ ﻭﺯﻳﺎﺩﺓ ﺃﻫﻤﻴته ﻫﻮ ﺍﻟﻨﻤﻮ ﺍﻟﺴﺮﻳﻊ ﻟﻠﻤﻌﺮﻓﺔ، ﻭﻅﻬﻮﺭ ﻓﺮﻭﻉ ﻋﻤلية ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻭﺍﺗﺴﺎﻉ ﻣﺠﺎﻻﺕ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻭﺍﻟﺘﻄﻮر، وهذا ما جعل هنالك فرص جديدة للاعمال و استثمارات معرفية اضافت منتجات جديدة و مهام متطورة و موظفين جدد لسوق العمل . بل تعدى الامر ذلك الى تغيير شامل لمفهوم التعليم و التعلم من ارض التلقين و العلوم التطبيقية الى فضاء بناء القدرات الذهنية و تنمية مهارات الابتكار.

 

 

وعلى ما ذكر فان الاستثمار لم يعد يعتمد فقط على الموارد المادية و المحسوسة فالاستثمار الحديث يحتاج الى مرتكزات حديثة مواكبة للتطور التقني و اتساع نطاق المعلومات و يمكننا ان نخلص الى ان انتاج المعرفة و استخدام منتوجاتها من قبل افراد المجتمع هي ثروة لا متناهية تقود المجتمع نحو الرفاهية و النمو المستدام .

العودة لقمة الصفحة